طوفان نوح

طوفان نوح

منطقة طوفان نوح عليه السلام

يفترض أن تكون وديان منطقة وادي الرافدين هي منطقة الطُّوفان، ففي تلك المنطقة قامت أقدم الحضارات التي عرفها التاريخ، بالإضافة إلى أن موقعها بين نهري دجلة والفرات يؤهلها لأن تكون منطقة الطُّوفان العظيم، فمن المحتمل أن يكون وجودُ هذين النهرين أحدَ العوامل المساعدة في حدوث الطُّوفان، حيث يمكن أن يكونا قد فاضا وأغرقا المنطقة.
السبب الآخر لاعتبار هذه المنطقة هي منطقة الطُّوفان هو سبب تاريخي: فقد وجدت في سجلات العديد من الحضارات التي تتابعت على المنطقة وثائق متعددة تتكلم عن طُوفان أغرق المنطقة في نفس الفترة الزمنية، لقد ارتأت الحضارات التي شهدت هلاك قوم نوح ضرورة تسجيل هذا الحدث، كيف وقع وما أسفر عنه من نتائج، وهنا نجد أن معظم الأساطير التي تناقلت ما روته تلك الحضارات قد حددت موقع الطُّوفان في هذه المنطقة، وقد قدمت الكشوف الأثرية دعماً لهذه الأقوال، فأثبتت أن طُوفاناً كبيراً قد أتى على المنطقة، وكما سنرى في الصفحات المقبلة فقد انقطعت الحضارات لفترة من الزمن عن هذه المنطقة، ومن خلال الحفريات ظهرت آثار واضحة لهذه الكارثة الكبيرة التي حلَّت بها.
لقد كشفت الحفريات في منطقة وادي الرافدين أن المنطقة قد تعرضت للعديد من الكوارث نتيجة لفيضان كل من نهري دجلة والفرات، على سبيل المثال: أُطلق على إحدى سنوات عهد إيبيسين، حاكم مدينة أور الواقعة في جنوبي " وادي الرافدين " حوالي الألف الثاني قبل الميلاد، سنة "ما بعد الطُّوفان الذي أزال الحدود بين السماء والأرض".1

وفي عصر حمورابي البابلي، أي حوالي عام 1700 قبل الميلاد، هناك سنة يشار إليها "سنة ماقبل غرق مدينة إيشونا بطُوفان عارم".
في القرن العاشر قبل الميلاد، وفي عهد الحاكم "نبو موكين آبال" حدث طُوفان ضخم في مدينة بابل،2 وبعد مجيء عيسى عليه السلام، أي في القرن الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر الميلادي تعرضت المنطقة إلى فيضانات كبيرة ، وفي القرن العشرين حصل الشيء ذاته في الأعوام 1925، 1930، 1954. 3 من الواضح أن هذه المنطقة كانت دائماً عرضة للفيضانات، ومن المحتمل جداً كما ذكر في القرآن، أن يكون طُوفان كبير قد عرض لهذه المنطقة وأهلك أمة بِرُمَّتها.


الدليل الأثري للطُّوفان


ليس مصادفة أن نأتي في أيامنا هذه على آثار أمم حدثنا القرآن عن دمارها، ويقدم لنا الدليل الأثري حقيقة تقول: إنّه كلما كان اختفاء القوم مفاجئاً كلما كانت إمكانية العثور على آثارهم وبقاياهم أكبر.

عندما  يحدث اختفاء أمة من الأمم بشكل مفاجئ، وذلك غالباً ما يكون بسبب كارثة طبيعية او هجرة فجائية او حربا ضروسه، فإن آثار هذه الأمم تكون محفوظة بشكل أفضل، ففي وقت قصير تدفن منازلهم وأدواتهم التي كانوا يستخدمونها في حياتهم اليومية تحت الأرض، وتبقى محفوظة لفترة طويلة بعيدة عن عبث الإنسان لتظهر فيما بعد لتعطي معلومات مهمة عن الماضي عندما تخرج إلى  الضوء.

بهذه الطريقة تم الكشف عن الكثير من آثار طُوفان نوح في أيامنا هذه ، فبالرغم من حدوث الطُّوفان في الألف الثلاثين قبل الميلاد، فقد وضع هذا الطُّوفان نهاية سريعة لحضارة كاملة، لتقوم مقامها حضارة جديدة، وبذلك تم الاحتفاظ بآثاره لآلاف من السنين حتى يكون للعالمين نذيراً.

تم تنفيذ عددٍ كبيرٍ من الحفريات في أثناء البحث عن مكان الطُّوفان الذي وقع في وادي الرافدين . عثر في أثناء الحفريات ـ والتي نفذت في المنطقة وغطت أربعة مدن رئيسة ـ على آثار طُوفان يعتبر طُوفاناً عارماً بشكل خاص، هذه المدن كانت أكبر المدن في " وادي الرافدين " وهي أور، إيريك، كيش، وشورباك.
وتدل كافة الحفريات على أن هذه المدن كانت محوراً لطُوفان عارم حدث في الألف الثالث قبل الميلاد.
ولنتناول أولاً الحفريات التي نفذت في مدينة أور:
تعود أقدم الآثار التي عثر عليها لإحدى الحضارات في أثناء الحفريات التي أجريت في مدينة أور، والتي يطلق عليها في يومنا هذا "تل المقيّر"، إلى الألف السابع قبل الميلاد، وباعتبارها موطناً لإحدى الحضارات القديمة ، فقد كانت مدينة أور منطقة استيطان العديد من الحضارات التي تتالت عليها، وتدل الكشوف الأثرية لهذه المنطقة على أنها شهدت انقطاعاً حضارياً بسبب طُوفان عظيم، وأن حضارات أخرى ظهرت في ما بعد، قام ر.هـ. هول من المتحف البريطاني بالحفريات الأولى في هذه المنطقة، وحمل ليونارد وولي مسؤولية متابعة ما بدأه هول، فقام بالإشراف على الحفريات التي تم تنظيمها من قبل المتحف البريطاني وجامعة بنسلفانيا، استمرت الحفريات التي قام بها وولي، والتي كان لها دوي عالمي كبير منذ عام 1922 وحتى 1934، وكان منتصف الصحراء الواقعة بين بغداد والخليج العربي هو مسرح هذه الحفريات.

أول من أوجد مدينة أور هم قوم جاؤوا من شمال وادي الرافدين وأطلقوا على أنفسهم اسم "العبيديين". كان هدف الحفريات بادئ الأمر جمع معلومات عن هؤلاء القوم ، وصفت مجلة Readrer Digest حفريات وولي كما يأتي :

من شدة فرح " وولي" باكتشاف "مدافن ملوك أور" ,أصاب قبور النبلاء السومريين الرائعة التي ظهرت عندما ضربت مجارف الأثريين ركاما بعمق خمسين قدما الى الجنوب من المعبد ليجدوا صفا طويلاً مهيباً من القبور.بدت هذه القبور كنزاً حقيقياً,فقد كانت ممتلئة بالكؤوس الثمينة ,الأباريق والأواني الرائعة وأدوات المائدة البرونزية ,مصنوعات من الموزاييك,أحجار اللازورد, وقد أحاطت الفضة تلك الأجسام التي أصابها التفسخ.ظهرت قيثارات متكئة على الجدران.كتب في مذكراته "كل هذا حدث في لحظة"وتابع :"وتابعت الحفريات التي أثبتت شكوكنا.فقد وجدنا مباشرة تحت أرض القبر الذي يعود الى أحد الملوك وضمن طبقة من الخشب المتفحم عدداً كبيراً من الألواح الطينية ,التي تحمل نقوشاً أقدم من تلك التي وجدت على القبور.ومن خلال طبيعة الكتابة الموجودة عليها قدر أنها تعود الى الألف الثالث قبل الميلاد.وهكذا تكون أقم من القبور بقرنين أو ثلاثة قرون".
كلما تعمقت الحفريات كلما ظهرت المخلفات والمكتشفات الأثرية .كان هذا قبور ملوك مدينة اور .وقد عثر الباحثون في هذه القبور التي دفن فيها الملوك ونبلاء سومر على العديد من الكنوز الفنية الرائعة كالمغافر والسيوف وآلات الموسيقى أثارا فنية مصنوعة من الذهب ومن الأحجار الكريمة.كانت هناك أشياء أخرى أهم :القيود والسجلات التاريخية البارزة المضغوطة بتقنية عالية على ألواح طينية .كما عثر الباحثون في اور على كتابات تحمل نفس أسماء الموجودة في قائمة ملوك اور. بل وجدوا حتى أٍم المؤسس الأول للعائلة الملكية الاولى في اور.وتوصل "وولي" الى أن هذه القبور تعود الى ما قبل العائلة المالكة لاور.أي توصلوا الى نتيجة مفادها أن مدينة كبيرة كانت موجودة قبل مدينة اور.
بعد تدقيق هذه الآثار قرر "وولي" الاستمرار في الحفريات لأعماق أكثر تحت هذه القبور وتوغل العمال الى عمق بمقدار متر تحت اللبنات التي تحولت الى طين ,وبدأوا باستخراج الأواني والصحون ثم توقف كل شيء فجأة.
كتب"وولي" :لم تعد هناك اواني ولا صحون ولا رقم طينية,بل مجرد طين صاف يجرفه الماء.
أستمر "وولي" في الحفريات ,وبعد اجتياز 2.5 م من طبقة من الطين الصافي ,أستمر الحفر لعمق أكثر وفجأة عثر العمال على آلات وأدوات مصنوعة من حجر الصوان تعود الى أصحاب مدينة العصر الحجري الأخير .وبعد أتمام عمليات تنظيف الطين تبين وجود مدينة مدفونة في الاعماق .وكانت الآثار تدل على حصول طوفان كبير في هذه المنطقة.كما ان التحليلات المجهرية أشارت الى أن طبقة سميكة جدا ً من الصلصال Fullers earth النقي ,وهذا كان دليلاُ على أن طوفاناً مريعاً حدثت وأزالت حضارة سومر.وهكذا التقت واتحدت أسطورة جلجامش مع قصة طوفان نوح في بئر محفور في سهل وادي الرافدين (4).


 طبقا للاكتشافات الأثرية، فأن طوفان نوح قد حدث في سهول وادي الرافدين. ان هذه السهول كان لها شكل مختلف في ذلك الزمان. في الرسم أعلاه، الحدود الحالية للسهول موضحة بخط أحمر متقطع. والجزء الكبير الواقع خلف الخط الحمر قد كان جزءا من البحر في ذلك الوقت

 كشف التحليل المجهري أن هذه الترسبات الضخمة من الطين تحت الهضبة عند أور كانت نتيجة طُوفان عظيم ذهب بالحضارة السومرية القديمة، لقد اجتمعت ملحمة غلغامش مع قصة نوح في هذا الممر الذي حفر عميقاً تحت صحراء "وادي الرافدين"
روى ماكس مالوان Max Mallowan أفكار ليونارد وولي Leonard Woolleyالقائم بهذه الحفريات هكذا: إن هذه الكتلة الضخمة من الغرين والتي تشكلت خلال شريحة زمنية واحدة، لا يمكن أن تكون إلا نتيجة لكارثة طُوفان عظيم، كما وصف وولي طبقة الطُّوفان التي تفصل مدينة أور السومرية عن مدينة "العبيد" التي اعتاد سكانها على استخدام الأواني المطلية ، على أنها من آثار الطُّوفان العظيم.5
يبين هذا أن مدينة أور هي إحدى المناطق التي تأثرت بالطُّوفان العظيم، يشرح وورنر كيلر أهمية الحفريات التي ذكرناها آنفاً بقوله: "إن ظهور هذه المخلفات في الطبقة الطينية السفلى في الحفريات الأثرية يدل على حدوث طُوفان في المنطقة".6

المدينة الثانية التي حملت آثار الطُّوفان العظيم هي "كيش السومرية" التي تعرف اليوم "بتل الأحيمر"، وحسب المصادر السومرية القديمة، كانت هذه المنطقة مستقراً لأول سلالة حاكمة بعد الطُّوفان7.
كذلك الأمر بالنسبة لمدينة شورباك التي تقع في جنوبي من "وادي الرافدين" والتي تسمى اليوم "بتل الفعرة"، حيث ظهرت فيها آثار الطُّوفان العظيم. قاد الحملة الأثرية في هذه المنطقة إيريك شميدت من جامعة بنسلفانيا ما بين عامي 1920- 1930، أظهرت هذه الحفريات ميلاد وازدهار مدينة قبل 2000-3000 سنة ق.م,وكانت آثار هذه المدينة واضحة وجلية في الطبقات المختلفة من الحفريات. ثلاث طبقات من المستوطنات تمتد من حقبة متأخرة منذ ما قبل التاريخ، وحتى السلالة الحاكمة الثالثة لمدينة أور (2112-2004 قبل الميلاد). كان أكثر المكتشفات وضوحاً أنقاض منازل مبنية بشكل متين مع ألواح سومرية تحمل سجلات إدارية وقوائم كلمات تشير إلى مجتمع متطور جداً ظهر عند نهاية الألف الرابع قبل الميلاد.
8


كشفت الحفريات الأثرية التي أجراها السيد ليونارد وولي في سهول وادي الرافدين عن وجود طبقة من طين الصَّلصَال بسمك 2.5 متراً. من المرجح أن تكون هذه الطبقة قد تشكلت من الكتل الصَّلصَالية التي حُملت مع مياه الطُّوفان والتي لا يوجد مثلها في أنحاء العالم إلا تحت سهول وادي الرافدين؛ ويعطي هذا دليلاً هاماً يثبت أن الطُّوفان قد حدث فقط في سهول وادي الرافدين

 النقطة المهمة هنا هي: أن طُوفاناً عظيماً قد حدث في هذه المدينة ما بين (3000-2900) قبل الميلاد. وحسب رواية مالوان: وصل شميدت إلى عمق 3-4 أمتار تحت الأرض ليجد طبقة من التربة الصفراء (تشكلت نتيجة الطُّوفان). كانت هذه الطبقة المتشكلة من خليط من الطين والتراب أقربَ إلى المستوى المنبسط منها إلى الركام الترابي ... عرف شميدت هذه الطبقة المخلوطة من طين وتراب والتي تعتبر من بقايا عهد مملكة "سيمدت نصر" بوصفها "رمال من أصل نهري" وربطها مع طُوفان نوح.9
من خلال الحفريات في مدينة شورباك، ظهرت آثار طُوفان يعود تقريباً إلى ما بين (3000-2900) قبل الميلاد، من المحتمل إذاً أن تكون شورباك قد تعرضت لآثار الطُّوفان كغيرها من المدن 10 .
المدينة الأخيرة التي تأثرت بالطُّوفان هي مدينة إيريك، والتي تسمى اليوم "تل الورقة"، وكغيرها من المدن ظهرت فيها طبقة من طين الطُّوفان، والتي تعود إلى ما بين (3000-2900) قبل الميلاد 11.

وكما هو معروف، يقطع كل من نهري دجلة والفرات " وادي الرافدين " من الشمال إلى الجنوب، ويبدو أنه في أثناء حدوث الطُّوفان، فاض هذان النهران مع مصادر المياه الأخرى، والتقت مياه الأرض مع ماء السماء ليحدث الطُّوفان العظيم، يصف القرآن الكريم هذا الحدث:

( فَفَتَحْنَا أَبْوابَ السَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ* وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونَاً فَالْتَقَى المَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر) (القمر: 11-12).

عندما تدرس عوامل الطُّوفان الواحد تلو الآخر، تظهر على أنها ظاهرة طبيعية جداً، أما ما يجعله معجزة فهو حدوث هذه الظواهر كلها في آن واحد، وعقب إنذار نوح لقومه وتحذيره لهم من حدوث هذه الكارثة.
كشفت الدلائل التي خرجت بها الدراسات النهائية: أن منطقة الطُّوفان قد غطت مساحة 600 كم (طولاً) من الشمال إلى الجنوب، هذا يعني أن الطُّوفان قد غطى كافة سهول " وادي الرافدين "، وإذا تأملنا ترتيب المدن أور، إيريك، شورباك، كيش التي تحمل آثار الطُّوفان، نجد أنها جميعاً تقع على هذا الطريق، وهكذا يكون الطُّوفان قد شمل هذه المدن وما حولها، أضف إلى أنه لا يمكن إغفال الاختلاف في البنية الجيولوجية لسهول " وادي الرافدين " في ذلك الزمن عما هي عليه اليوم، في ذلك الزمن كان حوض نهر الفرات متجهاً إلى الشرق بانحراف أكبر عما هو عليه اليوم؛ هذا المجرى كان متوافقاً مع الخط الذي يمر عبر أور، إيريك، شورباك، وكيش. ومع تفجر عيون الأرض وماء السماء فاض نهر الفرات وخرجت مياهه مدمرة تلك المدن الأربع التي كانت في طريقه.

.

الهوامش

1- ماكس مالوان، نظرة جديدة في طُوفان نوح، العراق 4- xxvi-4 ، 1964، صفحة 66.
2- المرجع السابق.
3- موسى إلمي سيغ، جذور القرآن، العهد القديم والعهد الجديد في سومر، استنبول: كيناك 1996.
4- وورنر كيلر، الإنجيل كتاريخ، إثبات كتاب الكتب، نيويورك: ويليام مورو، 1964، الصفحات 25-29 .
5- ماكس مالوان، نظرة جديدة في طُوفان نوح، العراق 4- xxvi-4 ، 1964، صفحة 70.
6- وورنر كيلر، الإنجيل كتاريخ، إثبات كتاب الكتب، نيويورك: ويليام مورو، 1964، الصفحات 23-32 .
7- "كيش" دائرة المعارف البريطانية الصغيرة مجلد 6 الصفحة 893.
8- "شورباك" دائرة المعارف البريطانية الصغيرة مجلد 10 الصفحة 772.
9- ماكس مالوان "فترة السلالة الحاكمة المبكرة في ميسوبوتاميا، التاريخ القديم 1-2، كامبريدج: 1971 صفحة 238.
10- جوزيف كامببيل، علم الأساطير الشرقية صفحة 129.
11- Bilim ve utopya، تموز 1996،176، صفحة 19.

 
هذا الموقع مستند إلى أعمال هارون يحيى